الخطيب الشربيني
539
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
تعالى : كَالَّذِي خاضُوا ويدل عليه أن نون التثنية إذا حذفت عاد الضمير مثنى كقوله « 1 » : أبني كليب إن عميّ اللذا * قتلا الملوك وفككا الأغلالا وقال ابن عباس رضي الله عنهما : والذي جاء بالصدق يعني : رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم جاء بلا إله إلا الله وصدق به الرسول أيضا بلغه إلى الخلق . وقال السدي : والذي جاء بالصدق جبريل عليه السّلام جاء بالقرآن وصدق به محمد صلّى اللّه عليه وسلم تلقاه بالقبول ، وقال أبو العالية والكلبي : والذي جاء بالصدق رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم وصدق به أبو بكر رضي الله عنه ، وقال عطاء : والذي جاء بالصدق الأنبياء وصدق به الأتباع ، وقال الحسن : هم المؤمنون صدقوا به في الدنيا وجاؤوا به في الآخرة . وقوله تعالى : لَهُمْ ما يَشاؤُنَ أي : من أنواع الكرامات عِنْدَ رَبِّهِمْ أي : في الجنة يدل على حصول الثواب على أكمل الوجوه ذلِكَ أي : هذا الجزاء جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ لأنفسهم بإيمانهم . وقوله تعالى : لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ يدل على سقوط العقاب عنهم على أكمل الوجوه ومعنى تكفيرها أن يسترها عليهم بالمغفرة . تنبيه : في تعلق هذه اللام وجهان أحدهما : أنها متعلقة بمحذوف أي : يسر لهم ذلك ليكفر ، ثانيهما : أنها متعلقة بنفس المحسنين كأنه قيل : الذين أحسنوا ليكفر أي : لأجل التكفير وقوله تعالى : أَسْوَأَ الَّذِي أي : العمل الذي عَمِلُوا فيه مبالغة فإنه إذا كفر غيره أولى بذلك أو للإيذان بأن الشيء الذي يفرط منهم من الصغائر والزلات المكفرة هو عندهم الأسوأ لاستعظامهم المعصية أو أنه بمعنى السئ كما جرى عليه الجلال المحلي كقولهم : الناقص والأشج أعدلا بني مروان أي : عادلاهم إذ ليس المراد به التفضيل ، والناقص هو محمد الخليفة سمي به ؛ لأنه نقص أعطية القوم والأشج هو عمر بن عبد العزيز سمي به لشجة أصابت رأسه . وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ أي : ويعطيهم ثوابهم بِأَحْسَنِ الَّذِي أي : العمل الذي كانُوا يَعْمَلُونَ أي : فيعد لهم محاسن أعمالهم بأحسنها في زيادة الأجر لحسن إخلاصهم فيها وهذا أولى من قول الجلال المحلي إنه بمعنى الحسن . وقوله تعالى : أَ لَيْسَ اللَّهُ أي : الجامع لصفات الكمال كلها المنعوت بنعوت العظمة والجلال بِكافٍ عَبْدَهُ أي : الخالص له استفهام إنكار للنفي مبالغة في الإثبات ، وقرأ حمزة والكسائي بكسر العين وفتح الباء الموحدة وألف بعدها على الجمع ، وقرأ الباقون بفتح العين وسكون الباء على الإفراد ، فقراءة الإفراد محمولة على النبي صلّى اللّه عليه وسلم وقراءة الجمع على جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فإن قومهم قصدوهم بالسوء كما قال الله تعالى وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ
--> ( 1 ) البيت من الكامل ، وهو للأخطل في ديوانه ص 387 ، والأزهية ص 296 ، والاشتقاق ص 338 ، وخزانة الأدب 3 / 185 ، 6 / 6 ، والدرر 1 / 145 ، وسر صناعة الإعراب 2 / 536 ، وشرح التصريح 1 / 132 ، وشرح المفصل 3 / 154 ، 155 ، والكتاب 1 / 186 ، ولسان العرب ( فلج ) ، ( حظا ) ، ( لذي ) ، والمقتضب 4 / 146 ، وتاج العروس ( لذي ) وبلا نسبة في الأشباه والنظائر 2 / 362 ، وأوضح المسالك 1 / 140 ، وخزانة الأدب 8 / 210 ، ورصف المباني ص 341 ، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص 79 ، وما ينصرف وما لا ينصرف ص 84 ، والمحتسب 1 / 185 ، والمنصف 1 / 67 .